الجمعة، 7 أغسطس، 2009

خوفو ..وخفرع .. ومنقرع


وانا كعادتي أتأمل بعض الكلمات التي تسبح في الفضاء من حولي ، وارسم لها ابعادا تتعدى ماقولبت فيه . رأيت اهرامات الجيزة الثلاثة : خوفو وخفرع ومنقرع ، وحسيت في تماس بينهم وبين واقعنا العماني ، الذي لا تقل ازلية عقوله مجتمعه عن قدم وازلية هذه الاهرامات العظيمة، وهنا لااود التعميم فأقول ان اغلبها اثرية إلا من رحم ربي وادرك اننا نعيش في عصر آخر غير ماعاش فيه اباؤنا السابقين . نحب اثارنا كثيرا ، نحب تاريخنا ، نحب تقاليدنا ، نحب عاداتنا المكتسبة ،نحن قوم نحب الماضي . ولأننا قوم اغلبه يعتمر الماضي ويحمله على رأسه واكتافه كطفل لايكبر . هذا الماضي المدلل على مايبدو إلى ابد الابدين ، نعيش الواقع ونتعب . نتعب كثيرا . لأن الماضي او ( هذا الطفل الذي نحمله ) كبر ، وشاخ على رؤسنا ، واظنه قد مات . ونحن لأننا لانجرؤ ابدا على ان نرفع اعيننا لنراه ، ولأننا لا نقوى ابدا على فعل غير مايطلبه وغير ماعودنا عليه ، ولأنه بنظرنا مقدس منزه . حدث ان الزمن مر والوقت تغير ، والماضي قد شاخ ومات ، ونحن مازلنا نحمله تارة على الاكتاف وتارة على الرؤوس . الماضي الجميل والمبجل ، يستحق ان يرتاح قليلا منا ، هو قد مل ، هو قد شاخ ، هو قد فارق الحياة ، ويستحق ان يبات في سلام . يستحق ان ينام في التراب . وان نعاوده بزيارة كلما زارنا الحنين وشاقنا الشوق. الماضي اسر لي بأنه تمنى لو اننا ننزله من على اكتافنا ، وهو يقدّر لنا كثيرا هذا التبجيل والولاء ، غير انه يرى بأننا جنينا جهلنا بواقعنا بسبب تكريمنا له ، الذي يراه مبالغ جدا . فهو لايود ابدا ان يلام يوما ما على عدم فهمنا لواقعنا ، وجهلنا لكيفية التعاطي مع عصرنا الذي نعايشه .


خوفو وخفرع ومنقرع ... هي الاشكال الهرمية الصحيحة لشرائح مجتمعنا .


خوفو : ( في الواقع) هو اكبر اهرامات الجيزة ، بناه الملك خوفو .

خوفو:( كما تخيلته انا ) يقال انت خوفو . اذن انت من الخائفين . الصامتين الذين (لا يهشون ولا ينشون ) ، مجرد عدد . عطوك اخذت ماعطوك سكت . اممم ليس لك وجهات نظر طبعا ، لأن مخك صدى من عدم الاستخدام ، واسُتغلت المساحة الشاغره في جمجمتك لتكون مخزن ( للتبن) . تعيش حالة مزمنة من الفوبيا والرعب اللامبرر في كثير من الاحيان . ومهما حاول الاخرين اقناعك ، لاترغب ان تكون فردا فعالا في هذا المجتمع ، تكتفي بكونك رقم يرتعش خوفا . ( خوفو) هي الشريحة المهيمنة .عادة هي من اسماك القاشع الصغيرة ، تخاف جدا من الحيتان والقروش . ان تكون خوفو ، لايعني فقط ان تكون خائفا ، فخوفو ايضا يهمه كرشه الصغير ، عادة يتغدى على فتات ولائم المدح . (ملاّق) جدا . ولا بأس فهناك نوع اخر من الخوفو هم ( الخوفو البغمان) هؤلاء اشد خطرا. قد ترتكب في حقهم مجازر وهوائل كثيرة ، ولكن لكونهم ( بغمان) ماعندهم خبر . مات الي مات، وحيا الي حيا . وهم بإختنصار ( خبر خير ) . تعتبر هذه الشريحة مسالمة جدا ، وتتمنى السلطات ان تنتشر ويزداد عددها ، وبالتأكيد هي لاتدخر جهدا في ذلك. فأن تكون كادحا من الخوفو ، يعني ان لاوقت لديك ابدا ، لسبر اغوار النت او حتى السماع لأخبار العالم . ليس فقط لاتملك الوقت ،بل ان وقتك المخصص لنفسك تقضيه في الوظيفة الثانيه بعد دوامك الاساسي ، فأنت قد تكون من اللذين يسوقون ( التاكسي) في الفترة المسائية . وقد تكون ( دّلالا) للعقارات . انت معذور ، من الان يستطيع ان يعول بيتا بوظيفة واحدة . وهذا امر ليس مجهولا ابدا لرؤسائك ، هو معلوم وهو ممتاز لتكدح ليل نهار ، ولاتملك وقتا اخر للتفكير في شيء عدا جمعك للفتات من هنا وهناك ، ولهذا فإن قضايا العالم ، ومشاكله ، وكوارثه لاتعنيك ابدا ، فأنت كما تقول( يكفينا الي فينا ، ايش لنا في هموم غيرنا ) . وغالبا الحديث عن هذه الفئة يسد النفس ، وحاليا اشعر بغصه لأن عقولهم وارواحهم وحياتهم تسير بلاشكل ولا هدف ولامضمون . شريحة كبيرة في غابة بدائية وتصارع لتبقى .



خفرع :(في الواقع ) هو الهرم الثاني من اهرامات الجيزة وهو ايضا ثاني اكبر الاهرامات . بناه الملك (خفرع ) ابن الملك خوفو السابق ذكره .

خفرع :( كما تخيلته ) هي الشريحة الثانية ، وهي احدى ابناء الشريحة الاولى. منهم ( خفرع ) ومنهم ( منقرع ) وسنتحدث عن ( المنقرعين ) لاحقا . اما الان سنقول بأن ( خفرع او الخفاريع ) هم اول ابناء طبقة ( خوفو) بمعنى اباناؤه البكر . والبكر عادة يعيش صراعا قويا بين مايعيشة وما يود اباءه فرضه عليه . لهذا فهو يود ان ينقرع الى عصره السريع وان يتبنى افكاره ويعيش ك(ابن عصره ) ولكنه ( يخاف) من خوفو ، وبهذا يكون ( خفرع ) لاهو خائف (خوفو)ولا منقرع .فهو مزيج مثير من خوفو ومنقرع. يعتبر الخفاريع طبقة متوسطه ، يبدو انها معتدلة ، لايعني ابدا انها ترضي الطموحات ، ولكنها افضل الطبقات الثلاث كما اراها . تتبنى ماضيها تعايش حاضرها ، يؤخذ عليها بأنها ايضا طبقة غير فاعلة . ولا اود ان اصدمكم في هذا الشأن ، ولكن في مجتمعنا لاتوجد طبقة فاعلة . عدا الطبقة المتنفذة والمتنصبة و المتسلطة فهو وحدها ذات القدرة الفعالة اما محاولات بعض الافراد من هنا وهناك اظنها تواجدها مهم ولكن هي ليست مؤثرة ابدا للأسف وبالطبع منهم انا وغيري من المدونين. وهؤلاء لا اتطرق لهم هنا ، لأني بإختصار لا اصنفهم ضمن افراد المجتمع ، لأنهم حفنة من المكاريش ، حفنة تلتصق بجسد هذا الوطن وتمتص دمائه ، ولا يهمها احد سوى كرسيها وكرشيها ( هنا تصرفت بتطويع كلمة كروشها لكرشيها لتوائم لحن السياق) .


اما منقرع ( تاريخا ) هو الهرم الثالث بناه الملك ( منقرع) ابن الملك ( خفرع ) . وهو اصغر الاهرامات حجما .

منقرع ( كما تخيلته انا ) هو ليس بطبقة صغيرة من ناحية العدد ، وانما هي طبقة صغيرة في العمر . فتية شابة ومنقرعة . وسبب انقراعها يعود لأسباب عديدة . عدم توفر التعليم ما بعد الثانوي ، اي عدم الحصول على الشهادة المعتمدة حاليا للحصول على وظيفة . وأقول المعتمدة حاليا ، لأنه قد تعتمد قريبا شهادات الماجسيتر للحصول على وظيفتك الاولى . خلافا عن الطبقات الاخرى ،لاتملك هذه الطبقة اية امتيازات . هي دائما الطبقة المزعجة ، رغم اننا نحن من جعلناها هكذا . هذه الطبقة الفتية تحاول ان ترى المستقبل فلا تراه . كيف تراه وهي لن تحصل على شهادة البكالوريوس ، اذن لاوظيفة في انتظارها . قد تدمن ، قد تسرق ، وبالتأكيد عيوننا الساهره ستعاقبها على فعلتها الشنيعه ، ولكن امر اعادة تأهيلها ليصبح فردا منتجا عوضا عن مخربا لايعنينا كثيرا . نحن نعاقب فقط . واللوم سيلقى لاحقا على ( البيت ) وعلى ( الاهل) والاهل ماعارفين يقسموا نفسهم كيف!! . اشتغلوا شفتات واشتغلوا دلالين واشتغلوا سواق تكاسي ، وهالفتات ماراضي يتجمع ليكّون تلك الثروة الموعودة . والابن المنقرع لااستطيع ان الومه ابدا ، فكيف يكون مسؤولا ، ان كان المسؤول عنه لامسؤول .
ويقول بعض الشعب العماني حين ينفجرون على احدهم : " قرعة تقرعك " وغيرها من العبارات مفادها : " غيب غابت عينك ، وافعل ماتشاء " . والقرعة لها معان عدة وكلها تشترك في معنى " الفراغ" . فالقرعة : تطلق على صلعة الاصلع . والقرعة : هي نوع من انواع الخضار ذو القشر الاملس . فحين " ينقرع " شخص ما ، وتصيبه " القرعة " فهو يذهب الى وجهة مجهولة ، دونما هدف ومبتغى ، فهو ذاهب الى الفراغ. وهو ذاهب من فراغه الذي اضناه الى فراغ اخر قد يشقى بسببه طول العمر .


تفاصيل الصورة :
رسم وإلتقاط : مسقطية الهوى
يوم الخميس ويوم الجمعة من شهر 8 لعام 2009