الاثنين، 28 مارس، 2011

بوشناف


نعيش منذ فترة يوميات الثورة الليبية ، وذلك الضرس المسوس الذي يرفض ان يقلع بسهولة . واخشى ان القذافي سيبقى يقول : الى الامام ... ثورة ثورة . بينما نحن تمضي بينا الايام وتسقط اسنانا ونصرخ امام كاميارات قناة الجزيرة : " لقد هرمنا .. هرمنا " والاخ القائد الثائر مازال واقفا يصرخ في جنوده زنقة زنقة دار دار . ويسرني بهذي المناسبه ان اخبركم ان ما يلفت الشعوب لبلد معين هو ثقافته وأدباءه . فحين حدثت ثورة مصر ازداد معدل قراء الناس حول الادب المصري وقد أحيت الثورة رغبت اكتشافها من جديد عبر اهم اعلام مصر في الادب والتاريخ وغيرهم . لم يقل الناس سنذهب لنرى كوبري او سنذهب الى منتجعات شرم الشيخ . نعم يا اخوتي ،، بناء الحجر لو افنيت عمرك كله في بناءه بدعوى تطوير البنية الاساسية ، لن يلتفت له التاريخ فهذا الحجر كله مهما كانت روعته قد ينسف في لحظة . أتعلمون هذا المبنى الذي " لعيتوه " بكلامكم وبعده ماشاف النور هو الي بيبقى منكم وبيذكره التاريخ . ايوه " دار الاوبرا السلطانية " قيمتها فيها ، وقيمتها بتبقى اكثر من المواني واكثر من كبس تربة المطار . وهذيلا الكتاب والمثقفين الي جالس البعض منكم ليل ونهار يستخف بالشعر والقصه وفضاوتهم وانهم قوم شعر وقصه ودق عود ، هم الي بتخلد اساميهم ، وانت بتبقى نكرة ، اسم مسجل في الوفيات ما سوى شي غير " النقنقه " . شوفوا انا ما كنت ناوية اعطيكم محاضرة ، بس والله في ناس طالعة طلعة هاليومين مستفزة بشكل ما طبيعي. عموما نرجع لموضوعنا . فنظرا لتأثري الشديد بالحالة الليبية ، تعرفت على كاتب ومثقف ليبي صدفة عبر قناة الجزيرة - التي كانت تستضيف شخصية ليبية لتحليل الاوضاع - وقد لفتني ان يستشهد هذا المحلل السياسي الليبي في حواره مع الجزيرة بكاتب ليبي وذكر أمنيته ان يكتب الكاتب الليبي المدعو منصور بوشناف مسرحية مختلفة هذه المرة ، عن تلك التي سجنه بسببها النظام الليبي لمدة 12 سنة والتي كان عنوانها " عندما تحكم الجرذان " . شكلهم الليبيين مرتبطين بلفظه " الجرذان " منذ وقت طويل ، ولم يتفاجئوا مثلنا حين قالها القذافي . بل ألفوا في " الجرذان " المسرحيات والكتب . ويبدو ان القذافي ينعت شعبه بالجرذان هذه المرة ، بينما يشير التاريخ ان الكاتب المسرحي الليبي سجن 12 سنة بسبب مسرحية يبدو انها وصفت النظام بحكم الجرذان . سبحان الله . بالفعل الانسان يكتشف الهوايل بالصدفة . بحثت طويلا في النت عن مسرحية " عندما تحكم الجرذان " ولم اجدها لا مرئية ولا مطبوعة . ولكني وجدت نصا مسرحيا للكاتب منصور بوشناف عنوانه " مسرحية الانسان والشيطان " سأضع المسرحية القصيرة المذهله بين يديكم ومن ثم سأضع أيضا حوارا رائع للكاتب أجرته صحيفة المشهد عام 2004 .


مسرحية الانسان والشيطان


أولاً … (رجل يشبه القرد له شعر كثيف وقامة طويلة .. يجلس على كرسي) (يدخل شاب وسيم أنيق يتقدم نحو الرجل القرد ..) الشاب : مساء الخير يا سيدي الرجل : صباح الخير .. الشاب : ولكنه مساء .. الرجل : ولكنه صباح .. الشاب : يجلس بجوار الرجل .. ليكن .. ليكن صباحاً يا سيدي .. صباح الخير .. الرجل : خير .. الشاب : (يخرج علبة سجائر يقدم واحدة للرجل) الرجل : ما هذا ؟.. الشاب : سيجارة .. ألا تعرفها .. الرجل : لا .. بكل أسف لا أعرفها .. الشاب : (يخرج من جيبه زجاجة عطر يرش على الرجل) الرجل : أوه .. ياللرائحة الزكية .. يبدو أن لديك أشياء جميلة أيها الشاب .. ولكن عذراً من تكون .. الشاب: ألا تعرفني .. أنا الشيطان يا سيدي .. في خدمتكم .. الرجل : (ضاحكاً) الشيطان .. يقول إنه الشيطان .. (يواصل الضحك) (يرشه الشاب بالعطر) ويقول أنه الشيطان .. (يضحك) ولكن .. أين بشاعتك أيها الشيطان .. انك .. انك جميل .. الشاب : بشاعتي .. لا يا سيدي لست بشعاً .. بشاعتي هنا (يشير إلى رأس الرجل ..هنا (يشير إلى جسد الرجل) الرجل : فيّ أنا .. أنا .. أنا إنسان أيها الخسيس .. الشاب : لابأس .. لابأس يا سيدي .. أنت .. أنت الجميل وغيرك البشع ولكن كيف تراني أنت الآن الرجل : أراك جميلاً .. جميلاً أيها الشيطان .. ولكن أين أضعت قرنيك .. هل استعارهما منك تيس الماعز ؟ (يضحك) الشاب : كلا يا سيدي .. إنها برأسك .. الرجل : (يقف غاضباً يخنق الشاب) ماذا تقول أيها القذر .. سأقتلك سأخلص البشرية منك .. الشاب : (محاولاً الخلاص من الرجل) أرجوك .. أرجوك .. ستقتلني هكذا .. لم أفعل لك شيئاً .. الرجل : أيها الحقير .. أيها الخسيس .. الآن عرفتك .. تذكرت حربي معك .. (يضرب الشاب على رأسه فيقع مغشياً عليه) (يشرع في خلع قناع الشاب) (إظلام تدريجي)


ثانياً … (الرجل يلبس الشيطان قناع وجهه هو ويلبس قناع وجه الشيطان) (يجلس ويضحك) الشيطان .. هكذا نعم أنت هكذا شيطان حقيقي .. نعم كما سمعت عن الشيطان .. الشيطان : ولكنه قناعك أنت يا سيدي .. الرجل : (ضاحكاً) قناعي أنا .. لا.. مستحيل هل كانت بشاعتي عارية هكذا وصارخة إلى هذا الحد أنا جميل .. جميل أيها البشع .. الشيطان : ولكنك جميل بقناعي أنا يا سيدي … الرجل : وأنت أيها المخلوق المسخره البشع … نعم على حقيقتك .. هكذا بشع بقناعي .. أنا الإنسان .. الجميل .. نعم الجميل وهذا هو الشيطان .. الشيطان البشع .. (يضحك) لن يكون بإمكانك الآن أن تغوي حتى عجوزاً (يضحك) الشيطان سيكون مسخره .. تخيلوه وهو بهذه البشاعة يحاول إغواء فتاة جميلة أو شاب .. الشيطان : ستفعل أنت بدلي .. نعم سنتبادل الأدوار الرجل : نعم سأصنع بهذا القناع الجميل ما أشاء ؟ الشيطان : نعم .. ستصنع به ما تشاء .. فقط من منا الآن الإنسان ؟ (إظلام) انتهت ************************************************************************************ حاورته : حواء القمودي

في هذا الحوار القصير والسريع مع الكاتب والمبدع "منصور أبو شناف".. حاولنا التقاط جواب عن غياب كتاب له، حتى هذه اللحظة من سنة -2004-، رغم تاريخه الطويل والحافل في الكتابة بأنواعها.. مسرحيا ومقالة ورواية.. ترى بماذا أجاب؟!.. ستقرءون ذلك بالتأكيد - ترى هل رأيت قدرك في سن مبكرة..؟ ربما من العجيب أنني كنت أعرف منذ البداية أنني لن أكون في هذه الحياة إلا كاتبا.. كان زملائي يحلمون بالطب والهندسة وقيادة الشاحنات، ولكنن كنت أحلم وأحاول أن أكون كاتباً.. - تقول إنك. وبالصف الخامس. قادتك بنت للقراءة.. تراك الآن تباركها؟ بالطبع إنها معلمتي الحقيقية الأولى، كانت تكبرني بعامين، وقدّمت لي (أنف وثلاث عيون) لـ"إحسان عبد القدوس"، وبعدها توالت كتبها، واشتعلت مخيلتي، وأدمنت الكتب.. أنا مدين لتلك البنت بحب المعرفة لقد فتحت لحياتي أبوابا ما كانت لولاها لتفتح.. لذا ستظل المرأة معلمي وشيخي، أطيعها وأقدسها، وإن رماها التخلف بالحجر.. - منذ أكثر من عقد قالت مصادر مجلة –لا- أنك قريبا ستنشر روايتك –فتوحات ليبية- وكتابا نقديا.. أين هما حتى هذه اللحظة من 2004.؟!. النشر على الطريقة الليبية نوع من إعدام الأعمال الأدبية والثقافية، إن قماط النشر الليبي كفن العمل الأدبي.. لا أريد أن أدفن أعمالي منذ طفولتها.. سأتولى نشرها بنفسي قريباً –إن شاء الله- - بعد غياب تطلُّ في –معجزات- من خلال طيبة الذكر مجلة (لا) لماذا معجزات تحديدا..؟! أن أعتبر رجوعي للنشر وليس للكتابة، معجزة، بالنسبة لمعجزات، كنت أريد إن أقول أن ثمة معجزات أخرى غير التي يروج لها الإعلام.. معجزات المعرفة والفنون.. - وأيضا رواية ثانية؟ (عاشقان) هي الرواية الثانية، وهي رواية تقدم ليبيين في نهايات القرن الماضي، ربما هي الأقرب للتقنيات الحديثة فيما يخص الأزمان –أما (فتوحات) فهي محاولة للتناظر مع الفتوحات المكية لابن عربي، هي عمل بدأت كتابته عام 86- وأعتقد أنني انتهيت منها.. إنها مشروعي الأدبي الأساسي. - في مسرحك ثمة دائرة مغلقة!! إنها وتيرتي.. خصوصيتي، وأرى أنها سمة المجتمعات المتخلفة (الحلقة المفرغة). حيث لا زمان.. ولا أيام، بل يوم طويل دائري فارغ.. واحد منذ الفتنة الكبرى وكربلاء وحتى الفتنة الكبرى وكربلاء –من كربلاء الحسين إلى كربلاء الآن.. وإن تغيرت طرابيش وعمم المولات. - من معجزات إلى مواقف ومفاتيح إلى عصير الشوارع.. وكلمات.. ماذا يريد منصور بوشناف..؟! أريد أن أفهم.. وأن أتساءل: هل ما فهمته صحيح؟ .. لا أحد يجيب.. - تتبعت تفاصيل حياة الإنسان الليبي على رقعته الشاسعة ليبيا.. ماذا تريد بهذا الاشتغال على التاريخ؟ أيضا أريد أن أفهم، لماذا نحن كائنات تبدوا بلا تاريخ، لماذا عندما تقول (التاريخ في ليبيا) يتكلمون ويكتبون ويقولون –الشعر- حتى عن فترة الجهاد ضد الطليان.. ما الذي جعل تاريخنا صغيراً إلى هذا الحد؟.. في الوقت الذي يمتد فيه التاريخ الليبي لأربعة عشر ألف سنة كاملة، لكأن أولئك العظام الذين اكتشفوا للبشرية الأصباغ والرسم والتلوين، واخترعوا العجلة، ووصلوا للتحنيط، وبناء الأهرامات، ليسوا أجدادنا.. يا الله.. إني أبحث عن جدي (جراما) الذي لم أجد له إلا تمثالا صغيرا بحجم الكف، لكم كان الرجل وديعا في التمثال.. إنني أبحث عن روح ذلك الصبي المحنط الذي تشبه رقدته رقدتي منذ ما يقرب من الخمسة آلاف عام.. هل تصدقون لم أشعر بأنني في بلد أمي ولم يذكرني موقع من مدننا الزاخرة بالأفّاقين و.. بما تحكيه أمي إلا وأنا أقف أمام لوحات الأكاكوس.. بالتحديد أمام لوحات الخصوبة، حيث النساء ذوات الصدور الخصيبة والرجال يرتدون أقنعة ذئاب، أو كلاب وتتدلى من أقفيتهم ذيول.. هناك تذكرت حكايات أمي عن بلاد (بر الكليب).. أنا أقاوم النسيان الذي كان نهره يجري ببنغازي (الليثيوس) أو (الليثي) أو نهر النسيان. - في غلاف مجلة (الـمؤتـمر) تمارس قراءة التجربة التشكيلية الليبية من خلال رصد رموزها وروادها.. يقال إنك تقرأ اللوحة من الخارج..؟ قراءة من الخارج.. هذا مصطلح ليبي خاص.. أتمنى أن يدلنا أصحابه على قراءة يرون أنها من الداخل، صدرت في أي مكان كي نتعلم منها، لقد ظللت ولا زلت أقرأ عن الرسم والرسامين والتشكيل عموماً.. وعن الفن منذ ما قبل التاريخ وحتى نهايات القرن العشرين، ولم أعثر على هذا التوصيف.. إلا في الندوات والمقالات الإنشائية الباهتة في الجرائد الليبية.. أنا لا أتتبع التشكيل فقط عندما أكتب عن التشكيل الليبيين أنا أقرأ تطور المجتمع الليبي عبر هذا الفن.. ببساطة أكتب دائما وفي كل المواضيع عن (سيوسيولوجيا الثقافة) في الرسم، أو المسرح، أو القصة.. أو.. أو.. أنا أسعى لفهم هذه النتاجات في سياقها الاجتماعي بعيدا عن أية شعوذة أخرى.. دون أن أكون ضحية لترجمات رديئة.. القراءة من الخارج.. هذا كلام يقوله كتاب الإنشاء الذين لا يتوقفون عن الكلام والثرثرة مكتوبة دون أن يقولوا شيئا.. ويقول الفنانون التشكيليون عندما لا يجدون مديحا لهم وسباً لغيرهم. - يقال أيضا إنك تدّعي المعرفة باللوحة!!؟ افتعال المعرفة باللوحة ورغم أن هذا الكلام (شتيمة سيئة الصنع) فأنا لا أدّعي شيئاً.. إدعاءً ببساطة لأنني أمارس هذه المعرفة ممارسة، الإدعاء هو أن تقول دون أن تفعل.. ربما تكون هذه المعرفة مغلوطة.. ربما أكون مخطئا ف ك ما كتبت عن التشكيل، ولكنه لا يمكن أن يكون ادعاءً، لأنه منجز..

* صحيفة المشهد